المولد النبوي الشريف ...تعقيب علي خطبة إمام ..



وكالة أخبار نواذيبو - أذن المؤذن لصلاة الجمعة فدخل "شيخ" إن زاد علي العشرين فبالقليل واعتلي المنبر بزي هجين وعلي رأسه قبعة بيضاء لا تكاد تغطي سطح رأسه إماما وخطيبا في ثاني جمعة من شهر ربيع الأول وقد اختار الحديث حصرا عن عدم شرعية الإحتفال بالمولد النبوي الشريف وجال في عرض الأسباب وأطال وخلص إلي أن من قام بذلك مخالف لشرع الله.......
وتعقيبا عليه وددت التذكير بأن المناسبة مناسبة جامعة للناس مانعة لكل خلاف فرسول الله صلي الله عليه وسلم عنوان يوحد المسلمين أجمعين ولا يفرقهم سواء تعلق الأمر بمولده أو بوفاته أو بحياته ولا يعقل أن يكون الإحتفال بمولده من عدمه عنوانا لدق إسفين بين المسلمين وبث الفرقة في صفوفهم والله سبحانه وتعالي أمرهم أن يعتصموا بحبله ولا يتفرقوا...

والإمامة في الإسلام مسؤولية كبيرة تربوية ونفسية قبل أن تكون دينية و ليست كالإمامة في اليهودية ولا كالإمامة عند أتباع المسيح إذ الإمام في الإسلام متبوع يعطي بظهره للمصلين يتتبعون أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته مما يرتب عليه أن يكون جامعا لهم وتطمئن له قلوبهم حين يختلفون والحكمة أصلا من الجماعة في الصلاة أن تكون مناسبة لجمع الكلمة في أعظم الأوقات وأكثرها قدسية وفي أمكنة أذن الله أن يذكر فيها اسمه.....ثم إن عامة المسلمين لهم من الهموم الوجودية هذه الأيام الكثير مما يشغلهم عن نبش خلاف هنا وآخر هناك ونفض غبار عن اجتهاد تناءوا بسببه عن بعضهم البعض والكلمة الفصل في أي خلاف لا يملكها إلا الله وحده سبحانه وتعالي ولن يعلم بها أحد قبل يوم الحساب ولا بابوية في الإسلام مطلقا ولا صكوك غفران.

أطنب الفتي "الشيخ" في التعريض بالمسلمين الذين سيحتفلون بمولد رسول الله صلي الله عليه وسلم واسترسل في عرض الأسباب بدءا بالقول "إن تاريخ ميلاده صلي الله عليه وسلم غير معلوم واختلف المؤرخون حوله ما بين من يقول بالثامن ومن يقول بالتاسع ومن يزيد ومن ينقص ...." ولكن صاحبنا لا يراوده شك في تاريخ الوفاة بل يجزم عليه يقينا أنه كان في الثاني عشر كما لو كان من الذين حضروا الجنازة وصلوا عليها !!!!

فات صاحبنا أن التاريخ ليس علما وأن العلوم - حتي التجريبية منها- لا بد من هامش خطإ بها وكان عليه أن يتذكر أن لا إجماع حول ليلة القدر وأن المسلمين يبحثون عنها في أوتار العشر الأواخر ولم يمنع ذلك ترجيح البعض ليوم عن آخر ولم يمنع ذلك سكان هذه البلاد أن يعظموها في السابع والعشرين....

زاد صاحبنا من الشعر بيتا فقال إن الفاطميين هم أول من احتفل بهذا اليوم وقال عنهم ما لم يقل مالك في الخمر ثم أفتي أخيرا ببدعية الإحتفال واستند في فتواه أن الله أكمل الدين في حجة الوداع "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممتم عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا "وأن واجب المسلمين اتباع السلف لا الخروج عليه.

الفاطميون مجموعة من المسلمين منها الصالح ومنها دون ذلك ومنها الطالح تماما كما هو الحال بيننا اليوم حيث الكذب منتشر وشرب الخمر والفواحش بأنواعها ولكن لا يسأل أحد إلا عن نفسه ولا يلزم أحد أحدا والفاطميون ليسوا أول جماعة أسست دولة في الإسلام ولم تنل دولة في تاريخ الإسلام- منذ وفاته صلي الله عليه وسلم - رضي ولا قبولا من الجميع.....وحتي لو كان الفاطميون كما وصفهم الفتي الإمام فهل يمتنع المسلم عن الصدقة مثلا إن علم أن شارب خمر قد تصدق !!!! و هؤلاء القوم بنوا الحواضر وشيدوا العمران في ديار الإسلام وهم من أقام الأزهر الشريف الذي أصبح لاحقا(كان أولا حصرا علي المذهب الشيعي) جامعة عظيمة لتعليم الدين وتعلمه ونقطة إشعاع علمي ومعرفي عم خيرها جميع البلدان حتي اليوم.

ثم إن الخلافات ليست أمرا جديدا علي المسلمين بل نشبت بين المهاجرين والأنصار منذ اليوم الأول من أيام سقيفة بني ساعدة وكادوا يلجأون للسيوف وباستثناء أبي بكر الصديق مات كل الخلفاء الراشدين قتلا وبعضهم علي أيدي بعض الخاصة من المسلمين وبعض خاصة الخاصة وتقاتل الصحابة لاحقا في معارك مشهودة ومات منهم خيار معروفون وبقي الإسلام كما كان دينا يحرم القتل وينهي عن الفحشاء والفتن.....واقتصر الفعل علي الفاعل والله حسب الجميع. 

ولم ينج البيت السني من الخلافات لدرجة أن بعض غلاة المالكية قتل الإمام الشافعي شر قتلة حين قال إن "مالك كالشافعي يخطئ ويصيب ولا عصمة لأحد بعد رسول الله صلي الله عليه وسلم".

وخلاصة القول أن الإسلام سابق للطوائف والمذاهب ومحصن بكتاب الله ومن غير المقنع أبدا أن تنفر طائفة من فعل حميد بمجرد أن أخري فعلته مهما كانت درجة التنافر بينهما.

تطرق الإمام لبدعية الإحتفال والبدعة لا تكون إلا في العبادات والإحتفال بالمولد النبوي الشريف لم يقل أحد إنه عبادة....   

 ومن دفوع الفتي الإمام أن المسلمين مطالبون باتباع السلف وهذا موضوع آخر متشعب ومادة دسمة للأخذ والرد ويحتاج الكثير من الوقت ولكن صاحبنا خرج عما دعا له من واجب اتباع السابقين......فقد ظهر بزي هجين مخالف لهيأة قومه في القطر ثم قرأ بحفص في بلد ألف أهله القراءة بورش وكانوا جميعا يحتفلون بهذا اليوم ومنهم من يزيد بالإحتفال بيوم العقيقة في سابع الأيام.......

أما ما ذهب إليه من تأويل للآية الكريمة : "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا...." فمجرد اجتهاد يري الكثير من المسلمين له تفسيرات أخري.

 نزلت الآية إبان حجة الوداع أو بعدها بقليل وقال البعض إنها تخاطب وتخص المسلمين الذين أدوا مناسك الحج حصرا فيكونون أكملوا دينهم بأن جاؤوا بركنه الخامس......ويقولون بأن كمال الدين للمسلم يوم آمن وأدي ما أوجب عليه الشرع ساعتها فيكون المسلمون الذين ماتوا قبل فرض الصلاة ماتوا علي دين كامل والذين ماتوا قبل فرض الصوم والزكاة ماتوا أيضا علي دين كامل ويكون مصعب بن عمير وحمزة بن عبد المطلب وغيرهما ماتوا علي دين لا ينقصه شيء.....ثم إن الكثير من الأحكام جاءت بعد نزول هذه الآية بفترات طويلة وباجتهادات أئمة كبار من أهل السنة والجماعة وفي كل الأحوال ليس الإحتفال بمولد الرسول صلي الله عليه وسلم حكما وليس عبادة ولم يقل أحد بذلك.

الإحتفال تعظيم وتخليد وذكري ومن لم يعظم مولد رسول الله صلي الله عليه وسلم ولم يخلده كحدث فارق في تاريخ البشرية ولم يتذكره ولم يغرس ذكراه في نفوس النشء المسلم فليس من الوارد أن يكون مقنعا في احتفاله بأي يوم آخر......وأخيرا ينبغي أن تضطلع السلطات العمومية بخلق آلية لمراقبة الخطب في المساجد وتوجيهها لتكون في خدمة الدين في شموليته والمجتمع في تنوعه وتعدد رؤاه ومشاربه وسكينته وأن لا تترك المنابر الدينية لتمرير رؤي وأفكار غير مجمع عليها.
د. محمد الراظي 
يتم التشغيل بواسطة Blogger.