لمن هذا الدلال .. ؟

وكالة أخبار نواذيبو -  روج البعض خلال الأسابيع الاخيرة  في وسائل التواصل الاجتماعي، لمقابلة اجراها الزميل /محمد ابو المعالي/ مع افراد من اسرة الشيخ محمد المامي رحمه الله، والقائمين على زاويته الدينية، وكانت المقابلة  في وقت سابق بتاريخ٠٨/٠١/٢٠٢٠ 
وتم في المقابلة، التذكير بتعريف الشيخ محمد المامي لنفسه، بنسبه، وهويته، ومن ضمنها " تعريفه لنفسه، بانه" مغربي"، ولعل هذه الجزئية من التعريف بالهوية السياسية في القرن الثالث عشر الهجري،/١٩م،  هو الذي  دفع  أولئك القوم، بالنبش في الأرشيف الاعلامي الموريتاني، من اجل إخراج  المقابلة، وكأنها سند تاريخي للدعاية " الريسونية".!

والجديد بالذكر، أن بلادنا في تلك الفترة، كانت معروفة ببلاد" السيبة"، يعني بدون نظام سياسي يعزز وحدة  المجتمع.
وقد عرف المجتمع خلال القرن الثالث عشر/١٩م  ظهور بعض الإمارات المتباعدة عن بعضها البعض، والانتماء لها كان اسميا، لا عمليا قائما على المبايعة، بل  في إطار من العلاقات العرفية، والتحالفات المستانفة على اساس الجيرة، وتعزيز السلم الاجتماعي في الموقع الجغرافي الموحد ، وذلك  للحفاظ على التكوينات القبلية، وضبط ايقاع العلاقات الخارجية بين القبائل، ولم يحصل  في اطارها ممارسة سياسية لنظام سياسي ما، معزز بقوة عسكرية، او قضاء، او مراكز  ادارية في حواضر حتى تعطيه - النظام - قابلية للاستمرار، بحيث يتم جلب المكوس له،  او الاتاوات، او العشر فيما بعد، كما جرى  في عهد الاحتلال الفرنسي الجشع، او حصل اي شكل من أشكال تقسيم العمل، كنظام "الخماسين"  للفلاح الذي كان موجودا في المغرب،  فلم تدفع لامير اتاوة، الا في حالات استثنائية، كدفع" الدية" الشرعية لمنع الاحتراب الخارجي بين القبائل، كما الداخلي بين بطون، وافخاذ القبيلة الواحدة..
لذلك، كان نظام الإمارة  في القرن الثالث عشر، بعيدا عن تلك الصفات التي اسقطها بعض الكتاب ممن اعتمدوا في  قراءاتهم  على المعلومات السابقةعن أشكال النظم في المجتمعات" الوسيطية"، كنظام الاقطاع الأوروبي..
وقد فات على  الدارسين الموريتانيين، والتبشيريين الفرنسيين،  ان لكل نظام  عوامله المميزة  لنشاته، وصفاته، وخصائصه، ومقوماته، ومؤثراته على التكوينات الاجتماعية،  والعكس ، وانطلاقا من غياب  تلك المعطيات، وخصوصياتها في الدراسات التالية، استعصى على المقتبسين، لأدوات التحليل، تقديم قراءة تبرز خصوصية موضوع  الدراسة عن غيره،  الأمر الذي سمح بالقول  إن تلك المحاولات جانبت الصواب، الا في مسألة واحدة ، وهي تاثر اصحابها بالمرجعيات فى القراءات الناقصة  المذكورة .. 
لذلك بقي نظام الإمارة في بلادنا متفردا بخصوصيته، وغيابها في الدراسات التوصيفية، التقييمية، لا الوصفية، لأن الاستطلاع الوصفي، لم يقرأ بعد  النظام الإماراتي  داخليا، او خارجيا، بينما المطلوب هو العكس،  لأن ذلك يتطلب الحيادية الموضوعية الغائبة في حدود ما قرأنا منها، خلافا لما هو معروف من قراءات تبشيرية لهذا العسكري الفرنسي، او ذاك، وهو ما شكل مرجعية اخرى، غير منقطعة الصلة عن الرؤى  في التراث  عن نظام النبلاء العسكريين، والاقطاعيا ت الزراعية - وما ساد فيها من نمط انتاج ، وعلاقاته - التي اعطيت  لهم جزاء لما بذلوه من جهود حربية في الحروب الصليبية...

 وربما، كان غياب النظام السياسي في بلاد " السيبة"، أو " المنكب المرزخي" -  على حد تعبير الشيخ محمد المامي - الذي  الذي سهل على المحتلين الفرنسيين  منذ منتصف القرن التاسع عشر،  تسلل  نفوذهم  في العلاقات المباشرة وغير المباشرة  بمراكز النفوذ، وساندوا بالسلاح إمارة "فوتا"، وذلك للقيام بحروب بالوكالة، ومن اجل اضعاف الإمارات المذكورة، وهي في طور النشأة، وكان ذلك  بهدف أضعاف المجتمع الشنقيطي العام  أمام القوات الفرنسية فيما بعد..
وخلال تلك الفترة المشحونة بالصراعات البينية، يمكن  تأطير  الوعي السياسي - لا الفكري -   للشيخ محمد المامي رحمه الله تعالى من خلال التعريف ب" الهوية" المغربية،  وهو في  بلاد شنقيط التي  لم تكن تابعة لأي نظام سياسي، بل هي" منكب برزخي"، وتارة" بلاد السيبة".
ولذلك  يمكن فهم علاقاته  بالمغرب دون نسبة البلاد، جغرافيا للمغرب، وكذلك دون أن  ينسب مجتمع " البيضان"، لا لسلطان الشمال في المغرب، ولا لسلطان الممالك الافريقية في الجنوب، او في الشرق،  حيث  الجزائر تحت الاحتلال الفرنسي.
بينما " البرتيللي"، في كتابه"  فتح الشكور في تراجع علماء تكرور"،  عرف العلماء، والثقافة بالهوية السياسية،  لمملكة"تكرور"، خلافا للشيخ محمد المامي الذي اعترف بأنه في بلد غير خاضع للسلطة السياسية، ومع ذلك اعلن انتماءه الشخصي للمغرب، دون ان يحدد ، هل الانتماء، هو من جهة النسب،  وهذا الذي ينسجم مع تسلسل شجرة نسبه، او للولاء للسلطة السياسية، او للطريقة القادرية، كل هذه الاحتمالات غفل عنها المروجون للمقابلة المذكورة...
غير السؤال الذي ينبغي أن يطرح على  المروجين للمقابلة - وقد  اجريت في سنة ٢٠٠٠م - الآن من جديد،  هو:
ما السند القانوني لانتماء أي فرد لبلد ما، وليكن بلادنا، سواء، أكانت  في الماضي، أم في الحاضر ، حتى يفرض على المجتمع الموريتاني، والوطن، ولاءه الشخصي، فيجر معه الانظمة الاجتماعية، ونظامها السياسي،  والمؤسسات التشريعية التي انتظمت في نسق دستوري، وبعقد اجتماعي، حدد حقوق، وواجبات المواطنة،  والهوية الوطنية، ونوعية النظام  السياسي، وعلاقاته الخارجية في ظل السيادة، والاستقلال، واحترام  مظاهره بالعلم، والجيش،  والأمن الداخلي، والادارة، و الوحدة الاجتماعية، والاقليمية، وحدودها البرية، والبحرية.. 
وقد جرى الاعتراف بها جميعا من طرف أشكال النظم السياسية في المجتمعات المجاورة، وغير المجاورة، وفي المنظمات الدولية، والاقليمية...؟

ولذلك، فلن يأخذ  مواطن موريتاني على أخيه، اذا اراد،  ان يتجنس من قطر عربي، او غيره، وستبقى رؤية المختار ولد داداه رحمه الله، ذات الدلالة العميقة، في أن " من يريد ان يذهب إلى المغرب، فليذهب "،  غير  ان الوطن بابعاده الاجتماعية، والخصوصية الاجتماعية،  والتنظيمية، غير قابل للتجنيس، أو التأثر بالولاءات الفردية، ولو كان للفدر ، ما كان من قيمة علمية، او سياسية، او اجتماعية في الحاضر، او الماضي...
ولكن المجتمع الكوريتاني،  كجزء من الوطن العربي، قابل للوحدة السياسية على أساس الاختيار المشترك  في  الوحدة الفدرالية بنظامها الجمهوري، والانتقال السلمي الدوري في الانتخابات الحرة.
 اما الوحدة الاندماجية، فقد قدمت الوحدة اليمنية في ١٩٩١م.  نموذجا غير قابل للتكرار، لأنها  أدت الى الاحتواء، والابتزاز، وهو مرفوض مبدئيا من المثقفين الوطنيين، والقوميين على حد سواء، لأنه يقضي على الهدف من الوحدة، وهو  التطور، والتقدم، وتعزيز القوة، وبناء المستقبل العربي لمجتمعات الأمة..

إشيبو ولد اباتي
وكالة أخبار نواذيبو
يتم التشغيل بواسطة Blogger.