الشيخاني ولد الطلبه "يوسف" الطريقة التجانية

الطريقة التجانية


وكالة أخبار نواذيبو - عبد لله، ملأ زمنه بالله كما امتلأ هو به، فنذر نفسه وسخر مواهبه لتجديد دوارس الشرع وإيقاظ نوام الطريقة وتعميم مصابيح وأنوار الفيضة. عبد لله جمع بين الأصالة والتحديث، ومد أعمدة الوراثة بالتوريث، فكان الحفيد الحافظي الذي صبت في حوضه المتسع دلاء العظمة المفعمة من ميزاب الأصالة الزهراوية، وانفتحت في أكمامه زهور التحديث من سماوات الفيض الأحمدي، فاستطاع بحكمة العقل والعلم وحنكة الدراية والذوق والفهم أن يحبب الناس إلى الله ويحبب الله إلى الناس. استطاع أن يجمع بين أختي السند الحافظي والمدد الابراهيمي حتى يعلم الجميع أن إطلاقية العلم لا تحظر هذا الجمع، ومرونة المعرفة لا تأبى التصفيف براحتين لدنتين ناعمتين كريمتين.
عبد لله، خليفة حافظي إبراهيمي، ابن خليفة حافظي هو الشيخ محمد الطلبة، "الخليفة"، ابن خليفة حافظي هو الشيخ أحمدو ابن شيخ مشايخ الطريقة الشيخ محمد الحافظ رضي الله عن الجميع. وهو خليفة وولد روح وشفاء للكبد المجروح عن الشيخ إبراهيم رضي الله عنه، صاحب "الفيضة". وهو ذلك الطود المخضرم العظيم الذي لولاه لبقيت العدوتان،عدوة السند وعدوة المدد، متباعدتين لا يجمع بينهما الليل والنهار.ذلك هو سيدي الشيخان رضي الله عنه الذي ورث من منبع إمداداته ما وصف به الشيخ رضي الله عنه بقوله: ليس ما قد يقال فيه بمغن...وورث من أدبيات وسلوك حافظيته ما قال به: والذي لا يقال ليس يقال.
إنه ترجمان الطريقة و حامل لوائها و كريمها ابن كرمائها، ربع عزة, منبع سر السر, سيدي أحمد محمود الملقب « من آب» المعروف علما ب: "الشيخان"، ونسبه هو النسب المعروف لقبيلته ويرفع إلى سيدنا الحسن السبط بن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأمه سيدة نساء العالمين, البضعة النبوية الشريفة, أم أبيها, فاطمة الزهراء بنت سيد الوجود وعلم الشهود, صلى الله عليه وآله وسلم.
ولد سيدي الشيخان في النصف الأخير من شهر شوال عام 1325هـ, الموافق لسنة 1907م, بأرض "العقل", مضارب قبيلته من العلويين. نشأ في بيت عز وجاه وعلم وورع, وتربى, حميد السيرة حسن السريرة, في بيئة محظرية صوفية نقية, مكنته من حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة, ثم اشتغل بتحصيل العلم فتردد بين من أدرك من أشياخ عصره وجهابذة مصره, في منطقة عرف أهلها بالإقبال على العلم والتعلم.
تاقت نفسه الأبية, وهو لا يزال في عنفوان شبابه, إلى الالتحاق بمصاف أهل الله تعالى, فعقد العزم, بإشارة من والده, على السفر إلى إمام الأئمة وعلم الأعلام الشيخ إبراهيم بن الحاج عبد الله رضي الله تعالى عنه, فجدد عليه الطريقة التجانية, ولازم المجاهدة مدة على يده, حتى حصل على مراده ومطلوبه وارتقى إلى مقام الكمل من عباد الله فاستدعاه الشيخ وصرح له بالخلافة عنه وأذن له في إعطاء الطريقة التجانية ونشر الفيضة الإبراهيمية.
عاد سيدي الشيخان إلى بلاده وبدأ رحلة طويلة في الدعوة إلى الله, عقد خلالها العديد من المناظرات مع علماء ومشائخ عصره في المناطق التي زارها, ودخل في الطريقة على يده وجددها عليه خلق كثير.استسهل الصعاب واستصغر المشاق وسافر ومعه مريد واحد, فيمم منطقة "تكانت" وعاصمتها "تجكجة", هذه المدينة التي شاء الله أن يزورها الشيخ إبراهيم رضي الله تعالى عنه, بعد ذلك بثلاثين سنة, ويعلن منها, ويعلنها عاصمة "للفيضة".
تعددت رحلاته "للدعوة" وخاصة في مناطق "تكانت" و"العصابة" و"آدرار" و"الحوضين" ومنطقة النهر و"تيرس" ومناطق في "مالي" و"السنغال", اشتغل خلالها بالإرشاد ونفع العباد, فعم الجذب وانتشرت الفيضة, فشيد معالمها وأوضح نهجها ورفع منارها وقوى أركانها, فذاع صيته في البلدان وقصده الناس من قاص ودان, فبذل في نصحهم همته وأخلص لهم نيته, فزادهم في فعل المأمور ترغيبا وعن المآثم ترهيبا, وسلك بهم مسالك الجد وجمعهم على الواحد الأحد, فتخرج على يده خلق كثير ممن أراد الله لهم الهداية ووصل منهم إلى مقصوده من لاحظته عين العناية.
انتشرت "الفيضة" على يديه في تجكجة وضواحيها، أولا، فنزلت السكينة و انكشفت الغيوب و أطمأنت القلوب و اقبل الناس أفواجا, أفواجا و هم ما بين مؤمن مصدق يتعرض للنفحات الإلهية و ما بين منكر منتقد يسعى لإطفاء أنوارها الحقانية، فيتساقطون، جميعهم، في لجج التحقيق بمحض الفضل والتوفيق. كلهم جاءوا، هؤلاء بلطائف الإحسان و هؤلاء بسلاسل الامتحان، فانتقلوا من الإنكار و البهتان و من الدليل و البرهان إلى المشاهدة والعيان. فتح لهم الباب ورفع عنهم الحجاب. غرست الفيضة فيهم عروقها وأذاقتهم من طيب ثمراتها فحصلوا مطلب الإخلاص وتحققوا بمقام الخواص. ففي الحديث الشريف: "إن لربكم في أيام دهركم نفحات, فتعرضوا لها".
ومن تجكجة سافر الشيخان إلى منطقة "لعدل", وكان قد سبقه إليها بشائر من أولئك الذين كانوا قد أخذوا عنه الطريقة،فوجد فيها أقواما قد تخلوا عن حظوظ أنفسهم وتحلوا بحقوق ربهم فانجلت مرآة قلوبهم لتتجلى فيها أنوار ربهم, فتحرك سر الشيخ وتفجرت ينابيع الفيضة, وجاء الناس إليها، فضولا وغباء، فتساقطوا فيها فضلا واجتباء، تصديقا وتحقيقا لما كان الشيخ رضي الله تعالى عنه قد قاله:
فقلت لا إله إلا الله محمد أرسله الإله
ففاض مني سره فلا أحد يقصدني ما عرف الله الصمد
سواء الصبيان والنسوان سواء الصعلوك والسلطان
سواء الصغار والكبار قد قرب الحبيب والمزار

ثم زار الشيخان رضي الله عنه، مناطق "سليبابي" و"كوركول" و"العصابة". وفي هذه الولاية كان الحاكم الفرنسي قد وصلته تقارير كثيرة تحرضه ضد الشيخان وتحذره من تزايد أتباعه واتساع نفوذه, فاستدعاه فور وصوله مدينة كيفه وجمع له عددا من علماء المنطقة المنكرين على الطريقة التجانية وأهلها وعلى الفيضة وصاحبها, وأمرهم بمناظرته توطئة لاعتقاله وسجنه أو ربما تغريبه إن هم ظهروا عليه. وقد شهد هذه المناظرة جم غفير من الموالين المشفقين ومن المكذبين المتربصين, وحشر الناس إليها من جميع الضواحي المجاورة.
كان الحاكميحرص على أن تترجم له المناظرة بكل تفاصيلها ويستفسر عن غوامضها ويصر على متابعتها وهو الذي يعلم أكثر من غيره أن هؤلاء الذين حشدهم لهذا الحدث الذي رتب له بكل مكر ودهاء هم الذين كانوا يأتونه بالوشايات والشكايات ويحرضونه ضد الشيخان وأتباعه. وهاهم جمعوا كيدهم واستنجدوا فصلانهم واستجلبوا خيلهم ورجلهم. فليست هذه أول عشواء خبطوها وفي مهواة من الأهواء أهبطوها, ابتغاء الفتنة واستيفاء لما كتب عليهم من المحنة. فلطالما استوخموا من أهل الله الموارد العذاب ووردوا في حميم الإنكار عليهم موارد العذاب, يدندنون حول شبه هي أوهى من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت, يريدون إيقاع الناس في التشكيك في عقيدة وسلوك أولئك الذين دعتهم هواتف السعادة فأجابوها ولاحظتهم عيون العناية فأدخلتهم حصنها, فهداهم وهدى بهم وزكى عقولهم وأعلى مراتبهم,أولئك الذين فعلوا المأمور امتثالا وتركوا المحظور اجتنابا وصبروا على المقدور تفويضا وتسليما وأتوا بالمستحب حمدا وشكرا فأحبهم الله وأحبوه ورضي عنهم ورضوا عنه. جاء المنكرون فعبسوا وبسروا وأدبروا واستكبروا وعمهوا في طغيانهم ليطفئوا نور الله بأفواههم, لكن الله يأبى إلا أن يتم نوره ويحق الحق ويبطل الباطل, ويرغم أنف الحسود الذاهل، السامد, ويدفع عن عباده شر المستعمر وكيد الكائد. قال تعالى لعباده الذين والوه واتكلوا عليه، بشارة لهم وتطمينا لقلوبهم: { لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى } وقال تعالى: { وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين } وقال تعالى: { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِين وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ }, فيأتي النصر بعد القهر والجبر بعد الكسر ويخرج الشيخان من هذه المناظرة مكللا معززا بنصر الله ينصر من يشاء. وتلك سنة الله في أصفيائه, يسلط عليهم الخلق في أول أمرهم ـ وخصوصا أهل الجدال الذين يقرون بوجود الأولياء لكنهم يدفعون هذه الخصوصية وينفونها عن كل من لم يجدوا فيه النعوت التي وضعوها من تلقاء أنفسهم, جهلا أو تعصبا أو حسدا, وقد غاب عنهم أن الولي لا يعرف صفاته إلا الولي ـ ثم تكون الدولة والغلبة لهم في آخر الأمر مصداقا لقوله تعالى: { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُون} إذ بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين, وقال تعالى: { وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا }. فالولي لا يأتى بشرع جديد ولا يدعي ذلك, وإنما يأتى بفهم جديد في الكتاب والسنة كما روي عن علي رضي الله عنه: "أو فهم أعطيه رجل مسلم". وهذا الفهم هو الذي يستغربه وينكره أولئك الذين كتب عليهم بالحرمان فألفوا من قلوبهم الإعراض عن الله فابتلاهم بالوقيعة في أوليائه والعياذ بالله.
بعد هذا الاختبار وما أظهر الله فيه من إعزاز عبيده، أهل خصوصيته, تسابق الناس للدخول في الطريقة وأبدوا تشوقهم ورغبتهم فيها وتعلقهم وانحيازهم إليها, بأفئدة وجلة وقلوب منكسرة, وقد قال تعالى في الحديث القدسي "أنا مع المنكسرة قلوبهم من أجلي". سارعوا إلى إخراج الغير من قلوبهم فوجدوا الله أقرب إليهم منهم، وعلموا أن الله ليس دونه مسافة يقربها الرحيل إليها ولا معارج يظهرون عليهاـ وإنما بالهمم العالية وصحبة أهل الله وصل الواصلون, وبحب الدنيا وشواغلها انقطع المنقطعون ـ فأخلصوا الوجهة لله وعاملوه بالحب فظفروا بالقرب ووقع الأنس وانقطع الحس وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة فنهلوا من الفيضة وعلوا واجتهدوا في الدفاع عنها واستبسلوا.
كان سيدي الشيخان رضي الله عنه من أحسن الناس وجها وأحلاهم سمتا،وهو إلى الصفرة منه إلى البياض أقرب، ربع القامة من القوم، ليس بالنحيل ولا بالبدين، أبيض الرأس واللحية، مشهودا له بالمروءة والفضل، ودماثة الطبع ورجحان العقل، كثير التلاوة للقرآن، يختمه كل أسبوع، رطب اللسان بذكر الله تعالى،هجادا بالأسحار، دالا على الخير، كثير الحض عليه، قوالا بالحق لا تأخذه فيه لومة لائم، وكان جوادا، سمحا، وقورا، حجة، حليما، مهيبا، صموتا، سيداومعظما عند الخاصة والعامة، قد وضع الله له القبول فلا يراه أحد من قاص أو دان، إلا أخذ بمجامع قلبه.
ظل سيدي الشيخان رضي الله عنه يدعو إلى ربه بالحال والمقال، بالرفق واللين، بالحكمة والموعظة الحسنة حتى جاء اليوم الذي اختار الله فيه أن ينقله من دار الابتلاء والاختبار إلى جواره في دار القرار, إلى جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر, إلى روح وريحان وجنة نعيم.لبى الشيخان نداء ربه والتحق بؤلئك الذين أنعم الله عليهم, مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. { كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَة }في يوم الخميس 19 شوال 1406هـ الموافق 16 يونية 1986م صعدت روحه الطيبةالطاهرة ورجعت نفسه المطمئنة الزكية إلى ربها, راضية مرضية, فإنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله على ما أحببنا أو كرهنا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
ترك سيدي الشيخان ديوانازاخرا بالحكم والمعارف ومعالي النصائح واللطائف. وقد سخر قلمه للذب عن الطريقة والمنتسبين إليها وللدفاع عن الفيضة وأهلها, تارة بالتوجيه والإرشاد والنصيحة وأحيانا بالردود المؤصلة والحوار الهادئ والجدال بالتي هي أحسن. ويعتبر ديوانه هذا, موسوعة يجلي فيها مقاصد التصوف, في الإخلاص والصدق والفناء والبقاء والمحبة والزهد والورع والتوكل والتسليم والجذب والسلوك والترقي والتدلي والمقام والوارد والحال والذات والصفات, ويرسم مناهجه في تصفية الروح وتزكية النفس من كل الصفات المذمومة, وينبه على الآفات المحبطة للأعمال كالكبر والعجب والرياء, ويوضح سبله ومسلكياته وآدابه وخلواته ويعرف بالشيخ الكامل وحقوقه وبالمريد الصادق وشروطه...
إن الواقف أمام مرآة سيدي الشيخان رضي الله عنه يبصر من المآثر والمناقب والمثل والفوائد والإيجابيات والكمالات ما تضيق عنه حوصلة القلم والقرطاس والشعور والإحساس. ومما يتفق عليه الجميع عفويا وتؤكده الشمس والقمر وينطبع على جبين الدهر ظاهرتان يمكن أن نرجع إليهما الكثير من إيجابيات طائفته العظيمة:
إحداهما: كثرة ذكر الله تعالى وحسن أدائه، فإن وقود الفيضة ذكر الله، ومقود القلوب وجوالبها إلى الذكر حسن الصوت وتنويع الأذكار. ففي كل تجمع من تجمعات هذه الطائفة، حضريا كان أو بدويا، يجذبك إليه ذكر الله ويربطك به التواجد في الله ويسبح بك في أمواج من أثير الفناء في الله والارعواء عن المتغيرات والمثبطات فتعيش مع الله في شهود لا يعبر عنه الكلم.. ترتع في رياض هذا التجمع وتعيش لحظات من عمر الصالحين وحال المنيبين، وترفرف عليك أجنحة النقاء والإخلاص وتدارس سير أئمة الدين من الأولين والآخرين.

الثانية: شدة محبة أحباب سيدي الشيخان رضي الله عنه لوسيلتهم إلى الله تعالى وشهودهم المنة فيه. فقد كانوا يرونه الرافد الأكبر للمنحى الحافظي و المحيط الأزخر للفيض الإبراهيمي. وحقا كان رضي الله عنه وفيا لهذين الأبوين الوفاء المناسب ويكن لكل منهما ما يلزم مقامه من الأدب والإجلال والتعظيم والإكبار مما جعل أحبابه ومريديه رضي الله عنه يرونه رمز الكمال في كل مجال. وهذا ما يؤكد القولة المأثورة: "بروا آباءكم يبركم أبناؤكم". فهؤلاء الخلفاء ورثة كمل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، حاملون رسالته عبر صاحب الفيضة الذي ثبت عنه قوله رضي الله عنه:
بقدر ما تحبه تنال امداده فالقوم هذا قالوا
فمن أراد كرامة المحبة فليحب أوعية المحبوب الخاصة ومن أراد وراثة الأشياخ واحتلاب ضروعهم والتعرض لعطاءاتهم فليجل ورثتهم الذين تضافر تعبير أشياخهم عنهم وتعبيرهم هم أنفسهم بالتخلق والتحقق على خصوصيتهم وأنهم أصول في ملابس الفروع، فهذه النظرة الإيجابية الموفقة الرشيدة التي تفضل الله بها على طائفة سيدي الشيخان رضي الله عنه لا أراها إلا من أبرز أسباب هذه الديمومة الرائدة التي يمكن صبها في قوالب الأسباب التالية:

أولا: صدق المحبة في الشيخ: فقد كان سيدي الشيخان رضي الله عنه رافدا عظيما من روافد المحبة وركنا منيعا من أركانها القوية. والمحبة هي وحدها الصالحة أساسا لبناء صروح المعرفة والاستقامة والريادة في سبيل التشرع والتحقق. وكثيرا ما كان رضي الله عنه يعبر عن هذه المنقبة في أشعاره الطرية وتوجيهاته النثرية، من ذلك قوله رضي الله عنه:
يَا سَيِّدِي وَمَلاَذِي يَا أَبَا مَدَدِي حَقًّا إِذَا لَمْ تَكُنْ شَرْعًا أَبَا جَسَدِي
إِنِّي خَدِيمٌ لَكُمْ بِالْحُبِّ مُعْتَرِفٌ وَإِنْ عَمِلْتُ بِمَا يَبْدُو بِهِ فَنَدِي

وقوله رضي الله عنه:
أَلاَ اسْقِ أَوْمَقَ أَمْسَى دَائِمَ الْوَمَقِ مِنْ كَأْسِ صَافِيَّةٍ مِنْهَا سِوَاهُ سُقِي
فَلْيُسْقَ بَعْدَ الظَّمَا صَهْبَاءَ صَافِيَّةً يَكُونُ شَارِبُهَا سَكْرَانَ لَمْ يَفِقِ

وقوله رضي الله عنه:
وَرَبِّ أَبِي إِسْحَاقَ رَبِّ حَبِيبِهِ وَهَلْ قَسَمٌ فِي ذَاكَ يَبْدُولِذِى حِجْرِ
لَمَطْلَبُنَا أَنْ لاَ نَزَالَ بِحُبِّهِ سُكَارَى غَرَامٍ لاَ نُفِيقُ مِنَ السُّكْرِ
وَنَهْذِي بِحُبِّ الْوَصْلِ مِنَّا وَإِنَّنَا عَلَى حُبِّهِ نَبْقَى إِلَى مُنْتَهَى الدَّهْرِ

ثانيها: الارتماء الكلي في أحضان الشيخ: كان سيدي الشيخان رضي الله عنه يصر على أن يأتي البيوت من أبوابها، فكان يرى الشيخ رضي الله عنه الميزب الأوحد لسائر الفيوضات الإلهية، ويرى له كنهيات لا تدرك ولا ترام، فمن تعبيره عن ذلك قوله رضي الله عنه:

حَضْرَةِ الشَّيْخِ ذِي الْخِلاَلِ الَّتِي قَدْ ِحَلِيَتْ بِاحْتِفَالِهَا سَيْنِغَالُ
كُلُّ ذِي خُلَّةٍ بِهَا قَدْ تَحَلَّى مِنْ خِلاَلِ الْخَلِيلِ تِلْكَ الْخِلاَلُ
مُجْتَلَى الْحَقِّ لِلْبَصَائِرِ فِيهِ قَدْ تَجَلَّى جَلاَلُهُ وَالْجَمَالُ
فِبهِ الْحَقُّ قَدْ دَنَا فَتَدَلَّى بِعُلًى عَنْهُ تَقْصُرُ الأَقْوَالُ
لَيْسَ مَا قَدْ يُقَالُ فِيهِ بِمُغْنٍ وَالَّذِي لاَ يُقَالُ لَيْسَ يُقَالُ
كان يقول فيه:
هُنَا حَارَتْ الأَفْكَارُ فِي الْحَقِّ وَارْعَوَى الَى الْعَجْزِ عَنْ أَخْطَارِهِ كُلُّ خَاطِرِ
وَخَرَّقَ تِلْكَ الْحُجْبَ مِنْ أَصْلِ قَيْدِهَا قَلِيلُ قَلِيلٍ مِنْ هُدَاةِ الأَكَابِرِ
رَأَوْا قَيْدَهُ إِطْلاَقَهُ حَيْثُمَا اسْتَوَى عَلَى كُلِّ نَعْتٍ مِنْ عُرُوشِ الْمَظَاهِرِ

ثالثا: الحث على الذكر طبقا للشرع: لقد رأى سيدي الشيخان رضي الله عنه أن الذكر لا غنى عنه ولا ارتقاء بدونه، لأنه أجل أركان الطريقة وأنجع مراعي الفيضة، لذلك حث عليه ودعا إليه ونوه به في قيود الشرع، فقال رضي الله عنه:
وَذَاكِرُهُمْ لِلَّهِ بِالذِّكْرِ شَاكِرٌ وَأَكْمَلُ ذِكْرٍ خَالِصٍ ذِكْرُ شَاكِرِ
وَمَنْ يَبْتَغِي أَجْرًا عَلَى ذِكْرِ رَبِّهِ فَمَقْصُودُهُ بِالذِّكْرِ مَقْصُودُ تَاجِرِ
وَقَدْ يُبْهِمُ الإِبْهَامُ عِنْدَ سُجُودِهِ حَقَائِقَ مَا يُبْدِي سُجُودُ الْخَنَاصِرِ
عِبَارَاتُ أَهْلِ الْحَقِّ يَصْعُبُ فَهْمُهَا عَلَى غَيْرِ إِدْرَاكِ الْخَبِيرِ الْمُخَابِرِ

وكان الشيخ رضي الله عنه قد شرع له هذا المنحى في قوله له رضي الله عنه:
لكنما خير باب أنت داخله ذكر الإله بحال الفرد والحلق

وكان الشيخان رضي الله عنه حاضرا في مجالس أحبابه كحضوره في قلوبهم، فما كانت جموعات التواجد في الله وسوارب الشوق وبشائر التوحيد لتخفي عليه انبلاج صبح الشريعة المحمدية التي هي المهيع لكل ما يصبو إليه أهل الله. فكان يرد الجميع إلى الحظيرة الشرعية دون أن تتوقف عجلات الذكر، فلنستمع إليه رضي الله عنه يقول:
إِنَّ جَمْعَ الْفِتْيَانِ وَالْفَتَيَاتِ أَيُّهَا الصَّحْبُ حِلُّهُ أَيْنَ يَاتِ
وَ نَشِيدُ الرِّجَالِ بَالْجَهْرِ طَوْعًا لَيْسَ فِيهِ مَقَاصِدُ الْقُرُبَاتِ
وَحُضُورُ النِّسَا لِذَلِكَ أَحْرَى سِيَّمَا إِنْ تَكُ النِّسَا مُنْشِدَاتِ
فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُشَاةٌ لِيَوْمٍ فَازَ مَنْ فَازَ بَعْدَهُ بِالنَّجَاةِ
جَنَّةُ الْخُلْدِ بِالْمَكَارِهِ حُفَّتْ فِيهِ وَالنَّارُ فِيهِ بِالشَّهَواتِ
فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ دَوَامًا لَيْسَ يَنْجُو فِي الْحَشْرِ غَيْرُ التُّقَاةِ
وَ سَلُوهُ عِنْدَ الْمَمَاتِ ثَبَاتًا فِيهِ فَالْفَوْزُ عِنْدَهُ بِالثَّبَاتِ
وَعَلَى الصَّفْوَةِ الشَّفِيعِ الْمُقَفَّى قَبْلَ أَسْنَى السَّلاَمِ أَزْكَى الصَّلاَةِ

نفعنا الله به دنيا وأخرى وسقانا من بحر فيضه بأعظم الأواني
بجاه مولانا الغوث الرباني سيدي أبي العباس احمد بن محمد التجاني
رضي الله عنه وعنا به آمين

محمد بن الشريف الطاهر التجاني
      خديم الحضرة الشيخانية
      لطف الله به آمين

يتم التشغيل بواسطة Blogger.