إقتصادنا و تبييض أو غسيل الشخصيات… !!!

إقتصادنا و تبييض أو غسيل الشخصيات… !!!

حضتن قصر المؤتمرات الدولي بالعاصمة نواكشوط الخميس الماضي تظاهرة اقتصادية هامة تكاد تكون الأولى من نوعها في البلاد ، حيث تؤشر لإهتمام بالغ لدى السلطات العليا بالشأن الاقتصادي الوطني.

وبالفعل كان لقاءا متميزا جمع رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني برجال الأعمال في البلاد ، حيث كاشفهم بحقائق من الضروري أن يسمعها رجل المال من رجل السلطة ، كما أنتهز الرئيس الفرصة ليجدد لرجال الأعمال وللرأي العام اللوطني تمسكه بالتصنيف الاقتصادي لموريتانيا، كدولة فقيرة ، بعد ما أثاره تصريحه بهذه العبارة قبل أسبوعين في إسبانيا من ردود فعل غاضبة كادت تعصف بشعبية الرجل ، حيث استخدمت ضده لأغراض و مآرب سياسية خاصة …

الرئيس الغزواني كرر للمرة الثانية أن موريتانيا دولة فقيرة مؤكدا أن الإعتراف بهذه الحقيقة هو أقوى محفز للإقلاع لمسارات التنمية والتطوير.

وتميز خطاب الرئيس أمام مجتمع المال والأعمال كذلك بكثير من الشفافية والواقعية ، كما أعطى إشارات جادة على دعمه للقطاع الخاص، معلنا في ذات الوقت أن الفساد ما يزال مستشر في البلاد، ولم يتم القضاء عليه بعد لكن أجهزة التصدي له تم تفعيلها من جديد.

وقد يتوقع أحدنا أن الحديث عن الفساد يعني صناع القرار والمسيرين العموميين ، والواقع أنه يعني رجال الأعمال بالدرجة الأولى ، فهؤلاء هم من يمارسون الضغط والإغراء على المسؤول الحكومي حتى يرضخ للرشوة، و يقبل بالإكراميات والهدايا مقابل تسهيله لخدمات الدولة أو منحها بدون أستحقاق كما يحدث يوميا في مجال الصفقات العمومية ، التي تمنح بطرق ملتوية نعرفها جميعا ، وكأن الرئيس يريد أن يقول لرجال الأعمال ، لولا رشوتكم وتدخلكم في الإدارة ما كانت لدينا أدوية فاسدة ومواد غذائية مسرطنة، وشبكة طرق رديئة تودي بحياة المواطنين الخ…

نعم وجه الرئيس رسالة مشفرة لرجال الأعمال أكد فيها تصميمه الجاد على محاربة الفساد ، بعد إلتزامه لهم بدعم الدولة ومواكبتها لمبادراتهم التي أعلنت خلال اللقاء والتي بلغت 42 مشروعا اقتصاديا والتي أعتبرها البعض أقرب للخيال منها للواقع

وذهب بعض المراقبين إلى أن رجال الأعمال يضحكون على الرجل بمشاريعهم ذات الأرقام الفلكية تمويلا وتشغيلا ، تماما كما ضحك مهندسوا حملة “المعرفة للجميع” على “معاوية سيد”ذات خريف “طائعي” مأزوم!!!

ويرى أحد الاقتصاديين أن ما تم إعلانه من مشاريع من طرف رجال الأعمال بعيد عن الواقعية ولكن عندما تتحقق منه نسبة 10بالمائة فإن البلاد ستحقق طفرة اقتصادية وتنموية غير مسبوقة.

ويتسائل “متشائل” في سياق آخر عن مصدر المليارات التي تم الإعتراف بها أمام رئيس الجمهورية من طرف رجال أعمال غير معروفين في المشهد الاقتصادي الوطني ، فيما تعج القاعة الكبرى بطابقيها برجال أعمال يتحركون في المليارات لم تتعرف عليهم مصالح الضرائب والبنك المركزي وغرفة التجارة إلا من فترة وجيزة ، وبعضهم قد لا يكون معروفا لدى هذه الجهات المختصة بالشأن الإقتصادي حتى الآن، وهذا في الحقيقة يثير إشكالية ظاهرة “رجال (ونساء) الأعمال الذين يظهرون فجأة ويختفون بنفس السرعة ،كما يطرح إشكالا إقتصاديا هو ما مصدر الأموال التي تدور في الدولة الإقتصادية الوطنية ؟

ولأنه سؤال كبير سيجرنا لمتاهات أخرى ، لا بد من الإشارة إلى أن بعض المصادر القذرة لتلك هو الثروة هو ظاهرة “التخفي” أي أن مسؤولا ساميا مدنيا أو عسكريا يسجل ثرواته الطائلة على إسم شخص نكرة غير معروف ليصبح رجال أعمال مرموق، لكنه مجرد واجهة لصاحب الثروة الحقيقي ، وقد كشفت التحقيقات القضائية في ثروة الرئيس السابق ولد عبد العزيز حالات كثيرة من هذا النوع من رجال الاعمال “المبيضين”

فهولاء يمارسون تبيض وغسيل الأموال مرتين ، الأولى بضخ أموال مجهولة المصدر داخل الدورة الاقتصادية ، والثانية وهي الأخطر في تصوري التستر على المالك الحقيقي للثروة الذي قد يتعارض منصبه الوظيفي مع الثراء ، وبالتالي يخشى أن تكون غالبية رجال أعمالنا أو(أعمالهم) من هذا النوع.

والحقيقة أنه ما لم يتم ضبط المشهد الاقتصادي الوطني ،بإحترام المعايير والأليات التي تحدد الهوية الحقيقية لرجل الأعمال سنبقى تحت رحمة  رجال “التيفاية” وما يدور في فلكهم الواسع من غسيل وتبيض للمال والرجال ، وما دمنا في هذه الحال علينا أن لا نتفاجئ بتوريد السموم وتقديم الخدمات المغشوشة في المباني والطرق ، كما أنه لا يحق لنا أن نحلم بإقلاع إقتصادي حقيقي في ظل سيطرة هؤلاء على الدورة الاقتصادية وضخ الأموال المشبوهة بالمليارات بدون رقابة أو مسائلة.

حفظ الله البلاد والعباد..
محمد عبد الرحمن المجتبى

يتم التشغيل بواسطة Blogger.