شنقيتل

شنقيتل
Sahel Dév

مدينة الرياح ـ للروائي الموريتاني موسى ولد ابنو ـ في قراءة سوسيولوجية( 2)

وكالة أخبار نواذيبو - إن التطرق لهذا العمل الأدبي، لم يكن بدافع  تقييمه من الناحية الأدبية، لأن هذا خارج اهتمامي، وتخصصي، كباحث  في علم الاجتماع التاريخي.
بينما الجانب الذي دعاني للبحث في هذا المنتج الادبي، هو الجانب الفكري، فيما يكشف عنه من وعي بالظواهر الاجتماعية، والتاريخية في هذه القراءة الأدبية، للتاريخ الاجتماعي، ومحاولة  صاحبها تقديم قضايا تتناظم مع أخرى في الواقع الاجتماعي الراهن، ونظرا لتأثيرات المختلفة على الأخير ومنها تلك التي ترجع الى الماضي البعيد، والقريب على حد سواء  وهو واقع يواجه تحديات للتخلص من قبضة الماضي، واستبدال ظواهره بأخرى بناء على التطلعات العامة، والتفاعل مع ظروف العصر،، ومن جهة أخرى، هي قراءة تقدم وعي  الروائي للظواهر الفكرية  في التاريخ، واختياره لتعريف البلاده بهذا  الاسم  للشيخ محمد المامي " المنكب البرزخي" بدلا من تعريفين أخريين  سابقين لاسمها الحالي، كالتعريف  بأنها "بلاد الخمول " في كتاب البرتلي الولاتي في ترجمته لعلماء بلاده في القرن الثامن عشر الميلادي، وبأنها "بلاد شنقيط"  في كتاب الوسيط في ترجمة شعراء شنقيط في بداية القرن الماضي،، لذلك فاختيار التعريف السابق عن غيره، يعبر  مستوى من التأصيل، وعن رؤية مشتركة بين الكاتب، ومن سبقه من المؤرخين والكتاب، والمفكرين في بلادنا الذين، نهتم بما كتبوا، واحيائه في سبيل استعادة تراثنا العربي في بلادنا التي يتطلع الجميع الى نهضتها بالفكر المتنامي المؤسس على الهوية الحضارية التي تستند الى تراثها القومي..
وأقول, وبالله التوفيق، أن الروائي المبدع موسى ولد ابنو أثار بأسلوبه الوصفي الجميل، قصة استرجاع الوعي التاريخي عبر الذاكرة المستعادة لبطل الرواية( فارا) ـ ولعل الاسم  من فراره من القافلة في نهاية الرواية ـ  وهذا الوعي أسنده الراوي الى المكتشفين الأثريين، لذلك  صرح في البداية أنه انبعاث غير مؤسس على ظروف مساعدة،  لذلك " الكائن المنبعث من العدم" بواسطة آليات " العالم الجديد" الذي منحه: " الوعي ـ الذي ـ يتم من خارج منطقة الوعي"، والبطل في حالة " ما بعد الحياة، وما قبل الموت"، ويقول الراوي على لسان بطله في تحديد  ماهية  وعيه خلال عملية الاسترجاع " أنا الذي أفنيت  حياتي  أحاول بلا جدوى  أن اربط حياتي باحلامي، وشعوري بلا شعوري، ووعيي بوعي الآخرين"، ولكنه قصر وظيفة الوعي، ليس  لتغيير الواقع، كما كنا نتمنى عليه، بل لتقديم الاحكام القيمية الخاصة، فهو لذلك مشروع ذاتي  بدلا من يكون من أجل قضية مجتمع عام  يسعى لتغيير نمط الحياة، وظواهره بما فيها تلك التي كانت تشكل  الفكرة المحورية في الرواية التي دارت  حولها الاحداث، وأقصد ظاهرة العبودية، والراوي للغاية من الوعي في " اصدار الاحكام على الآخرين، وعلى الذات، وعلى الزمن"، وتلك الغاية، يظهر أن تحقيقها كان هدفا عبر عنه باريحية  في: " هأنذا ـ ها أنذا ـ أشاهد ماعجزت عنه طوال حياتي، يتحقق من تلقاء نفسه، ساعة موتي"، وكان ساعة موته على الجبل في لحظة الهروب من مستعبده، وهو صاحب القبر الذي كشف عنه: كآخر الجثامين ال18 عشر، حيث خضع للتحليلات، وتم استنطاقه،،وهو صاحب وعي اصطناعي، تلقيني، واعلانه عن تحرره من العبودية، لذلك فنحن  أمام عمليتي تحرر، قام بهما بطل الرواية، فالأولى كانت جسدية متمثلة في هروبه الجسدي من القافلة، والثانية تحرره لدى استبعاث ذاكرته بما فيها من وعي واللاوعي، كالاماني والاحلام الصغيرة الخاصة،  والاحلام الكبيرة، كانهاء ظاهرة الاستعباد لحظتئذ،،

ولا  شك أن الروائي استلهم الوعي بالذات لحظة الموت، من  قراءته لفلسفة ابن سينا فى "الانسان الطائر" قبيل سقوطه الذي شكل وعيه بوجوده، ولعل هذا من الوعي السلبي لدى ابطال  الرواية، نظرا لاقصاء  ظواهر الوعي  الإيجابية، كما في بعض الروايات المعاصرة، ل/ البير كامو/ على سبيل المثال،، لكن تأطير الوعي بهذه القبليات،  او " البدهيات"، ل " لفك الاسرار، والالغاز"، كان من المنتظر أن تأتي  في مرحلة الإرهاصات الأولى للوعي، غير أن الملاحظ هو عدم تطور الوعي مع الاحداث، رغم تباين المشاهد المسجلة عن مجتمعي الماضي، والحاضر في مدار الأبعاد الزمنية ( الماضي، والحاضر ) ، وقد استهوى السارد تدويرها في أفق الحاضر كلما تراءى له  مظهر منها، وارتسم في أحداقه، ترك الآخر،  أو يتجاهله..
 ولعل الإطار النظري أعلاه عن أشكال الوعي الاصطناعي، هو الذي استحضره السارد في تقديمه لوعي بطل الرواية، وابعاد الوعي، ومظاهره، وغاياته، بينما في القص، قدم البطل نفسه باسلوب إخباري تقريري في خمس جمل، بدأ كل منها بفعل الماضي: " غادرنا ـ فارا، ووالده ـ القرية في غبش الفجر..كنا نمر في طرقات مستقيمة بين المزارع.. كنا من قبل نذهب  للقافلة مصحوبين بالعبيد..ليس عندنا عبيد اليوم..وليس عندنا ذهب ايضا "، وهنا كانت البداية  لزمن الرواية، و التأريخ لعدة محطات مهمة بعضها ذاتي، وبعضها عام، فالذاتي خاص ب( فارا) الذي انقطع عن عالم الحرية، وبدأت معاناته في فترة العبودية، حيث بيع من طرف والده بقدمين من الملح،، كما انتهى زمن العلاقات الاجتماعية الأسرية، وارغم على علاقات اخرى  حولته الى جزء من نمط انتاج عام  بين مجتمعات الماضي، وكان يربط علاقات المجتمعات الداخلية مع محيطها المجاور ،بين مجتمع القرى الريفية، ومجتمعات المدن في مجتمع الصحراء،، كما أن مغادرة القرية لها دلالتها في الاشارة الى مرحلة التحضر القروي في التأريخ للتطور، والانتقال من قطف الثمار الأولية في حياة المجتمعات الافريقية المستقرة على تخوم الصحراء، وتفاعلها مع غيرها خلال نظام المقايضة، وهي إشارة الى ما قبل التبادل النقدي،،حيث كان مجتمع تلك القرية، قد افتقد ما كان بيده من ذهب،  وعبيد، ولم يبق له الا بيع ابنائه مقابل الملح المعروض من قبل القوافل القادمة من مدن الصحراء، وغيرها مثل سجلماسة التي ورد ذكرها في نهاية الرواية..

 وقد أتاحت العناوين التالية للقارئ  رصد تسلسل الاحداث خلال التنقل من القرى الى المدن، والعناوين هي: (أفرويدير،الذهب، موسى اسبع، الرشق، غانا ، أودافوست، اللين، البراني، غلاواية)، وكان الوصف كاشفا عن مستوى التحضر في المدن، كما كان الوصف ممتعا للطرقات،  ومظاهر البيئة الجغرافية، والمناخية، ففي المدن ركز على "شوارعها غير المرصوفة، وبعض الدور خالية من سكانها، لكنها مملوءة بارواح سكانها الأقدمين"،  في اشارة الى تقادم التحضر والسكن في المدن، غير أن الرواي  قد يؤخذ عليه الوصف  المقزز للمظاهر الماساوية للإماء في مختلف الاعمار، وأن العبيد بالآلاف الذين كان يملكهم التجار بالشراء، ويعرضون في الأسواق  كبضاعة للمقايضة بالملح..
ألا يكفي الحديث عن العبودية السابقة، والتأريخ لنشأتها في التبادل بين مجتمعاتها الافريقية، وبين مجتمعاتنا العربية التي لم تقم بعمليات القرصنة التي سادت الى عهد قريب، وعندما جاء الغرب واحتل البلاد تحت دعوى التحضر لم يحارب الظاهرة، ولذلك بقيت في المجتمعات الافريقية، ومن مظاهرها البشعة عدم قبول المساواة بين الاموات في الدفن الجماعي التي اشار اليها الراوي، فهي ظاهرة موجودة في مجتمعات مجاورة لنا ونسبة الاسلام بين سكانها تزيد على 80 في المائة!!
إن قانون المقايضة  في التبادل التجاري، وإكراهات التخلف يومئذ ، لم تكن مبررا لظاهرة العبودية، لكن التأريخ لها في إطارها التاريخي، يختلف عن استعطاف القراء، وكأنها ظاهرة تستدعي مظاهرها المذكورة تجنيد القراء لمواجهتها، فهناك إسقاط واضح، يوحي بالتعريض بمخلفاتها في مجتمعنا، وكأن ما كان ما يجري، مثله ما هو قائم الآن؟ وكان الاحرى بالكاتب أن يقدم حلولا  للتخلص من مظاهر التخلف جميعا دون المشاركة في تأليب الرأي العام الغربي الذي يوظف تبني الظواهر التي تتعلق بالحقوق المدنية من اجل تمرير مصالحه، واخضاع انظمة الحكم في المجتمعات الأخرى.
وفي الرواية تحديد للهوية الدينية لأهل المدن  كالحديث عن المساجد، والمصليات، وتعليم الدين للاطفال والعبيد على حد سواء، وياتي اسماء الاحياء للإشارة الى الشرائح الاجتماعية، كحي الصناع ـ وليس حي الصناعة ـ و"الحصائر التي نمقتها الصوانع"، لكن السارد مصاب ب"سادية": التلذذ بوصف معاناة العبيد والإماء، والتهديد  بالضرب على المؤخرة بالقدم، والوعيد " اغسل هذا!! فستغسله مرة اخرى تحت السياط"، وهذا المظهر المأساوى استكمله في وصفه للحالة اللا إنسانية لعجائز الإماء في القول " وكانت عجوزان من الإماء ، كلاهما أرخت عضلات جسمها، فاصبحت عظامها، كأنها تتحرك في وعاء"، وباعتبار هذا الاسلوب العاطفي من المشاهد التي نقلها الراوي على لسانه، بمعزل عن ورودها على ألسنة أبطال الرواية، الأمر الذي يدعو الى التساؤل عن بواعث هذا التعاطف، إذا أخرج عن التلذذ الغريزي بتقديم المشاهد التراجيدية، هل هو لغاية رفض الظاهرة، أو للتحريض على " ثورة العبيد" في مدينة " أودافوست"، ولم نجد ذكرا لها بين المدن التاريخية التي ذكرها المؤرخون والرحالة الجغرافيون، ولعل دلالة الاسم المجهول هي للاشارة الى مدن مجتمع الرواية في الحاضر، لأننا اشرنا أن الماضي، والحاضر وحدا مجتمعي الأمس، واليوم خلال تقاسمهما لبعض الظواهر المادية، كالمسجد، ومظاهرها، ووظائفها، والدور وحيطانها،  والشوارع، لكن ذلك لا يخفي حضور الوعي القائم على الدعاية، ومحاولة توظيف الاتجاهات المرتبطة بفرنسا لمخلفات  الظاهرة في بلادنا في الفترة السابقة على نشر الرواية في العام 1996م.والسكوت عنها في المجتمعات المجاورة، وإن كان الراوي اشار الى أن ( النصراني) ركب على ظهر واحد من العبيد عن طريق تقديم لفائف  له من التبغ، في اشارة الى عملية التخدير، وتزييف الوعي الذي قام به الفرنسيون لمجتمعات أفريقيا الغربية أثناء استعمارها، ولا زال الحبل على الجرار..
غير ان هذا لا يمنع من الاشارة الى المفارقات في تقديم الظاهرة المذكورة بالاسلوب التعريضي  في دلالة واضحة الى ما يروج له ضد مجتمعنا، غير أنه اعتبرها احيانا  من" المعاناة القدرية"، وتساءل مستغربا على لسان الراوي، " كيف أرادت القدرة أن يكون كذلك؟" وأي قدرية  هذه التي قصد الراوي؟!

وتأتي الاجابة لتبرير أن الدافع لهذه البواعث هو " ألمي بسبب احساسي بأني انسان، وشعوري بالانتماء الى الجنس البشري"، ولعل هذا الشعور بالوعي الانسانوي، كان مسوغا للمراجعة الفكرية المطلوبة في الاستجواب التالي: " تعلنون اسلامكم، وتسرقون في نفس الوقت آلاف المسلمين" ولعلها دعوة موجهة من اجل الإصلاح الديني، وليس وصفا صحيحا لسلوك كل المسلمين، ولذلك علينا ان نسأل : من يسرق من؟ أليس مجتمعنا اليوم ـ كما هو حال مجتمع الامس، يعيشون على الكفاف ـ وهو  من الدول في العالم الرابع الأفقر في العالم العربي، والافريقي؟ وبالتالي لماذا الازدواجية  في الوعي الانساني في الوعيد التالي: " يمكن أن تواصلوا العيش هنا سنين، لكن سيأتي اليوم الذي يضع حدا لجنونكم"! 
وكذلك الاسلوب التوبيخي : " لا يمكن أن يكون الانسان هذا الكائن الفاسد الظالم، افضل من كل تلك الأمم، والكائنات التي انقرضت،، وبقي هو،ن" " وإذا كانت هذه الخرجات الفكرية للراوي، فاضحة لما يعتمل في وعيه الغضوب على مجتمع الرواية الثاني،، فكيف تطور وعي بطل الرواية خلال تفاعله مع شريحته  في مدينة" أوداغوست"؟
..( يتبع)
إشيب ولد أباتي 
وكالة أخبار نواذيبو

يتم التشغيل بواسطة Blogger.