ملاحظات أولية على التقدير و المرق المضاف في مقال د. ولد إديقبي ..



وكالة أخبار نواذيبو - لعله من المقالات النادرة عن المجتمع الموريتاني، وقد تم الاسترشاد فيه  بالخلفية النظرية في مجال علم الاجتماع الوظيفي،، وهذا التأطير نتمنى أن يؤسس لقراءة الواقع الاجتماعي على ضوء الفهم، والتفسير للظواهر الاجتماعية، رغم الملاحظات المبدئية على المدرسة الاجتماعية تلك، وخلفية مؤسسيها في دراسة الظواهر كما هي، دون الرجوع الى تطورها التاريخي، أو التأشير على المتغيرات التي تحكمت في تحولات الظواهر،، ولعل الدكتور يعرف اكثر من غيره أن " الظاهرة الاجتماعية" في فكر " أميل دوركايم"، تم النظر اليها في النظم الاجتماعية  داخل  اطارين: العلاقات الآلية في المجتمعات الاولية، والعلاقات العضوية  في المجتمعات المدينية، لهذا نتمنى على الدكتور تحليل ظواهر مجتمعنا على ضوء واحد من المجالين الاجتماعيين، وأيهما اقرب للمناسبة، موضوع التقدير قبل غمسها في "المرق"، إن كان لا بد من ذلك لفتح الشهية، وتسهيل هضم الخطاب.. لأن ذلك من السوابق الأولية المتواضع عليها التي قتلت الوعي السياسي جراء الخطاب الدعائي المصاحب لكل مناسبة،، ولم تحظ  المناسبات السابقة بمثل هذا التجاوب التأسيسي من لدن العارفين بالظواهر الاجتماعية في تحولاتها، وإن كان التحفيز لايستدعي ضرورة التغير، أحرى التغيير الاجتماعي المتطلع إليه في مجال التمنى،  واحلام اليقظة  الوهميين لأفراد مجتمعنا العصي على التطور الأفقي أحرى العمودي،، بما هو قائم من بناء اجتماعي متهالك، لكن مجتمعه " تكيف" مع بيئته الاجتماعية، والذهنية " السديمية" ـ اذا صح الوصف ـ ، الأمر الذي يدفع الى تغليب العمي العام، وحجب الواقع عن الجميع، الا من رحم ربك من العارفين، وما بهم من قدرة فاعلة، الا  تجنب التماهي مع " جوقة" المزيفين.. وكأن المجتمع  متعه الله بصحة المعدة لتقبل واقعه، كما هو والاستعداد المكتسب لهضم حيثياته بقشورها دونما مرق، أو مقبلات..!

 وهنا ألفت انتباه الدكتور الى جزئية في اشارته الى "تقسيم العمل" القائم في مجتمعنا الذي سرب هذا الوعي العام، لتأصيل أعراق الفئات الاجتماعية في مجتمع كان في مرحلة الاستئناف في بنائه الاجتماعي، بعد انتقاله من الحواضر بعد الاحتلال البرتغالي الذي قضى على المدن، وهجرت ساكنتها، الامر الذي يغلب احتمال الانتقال نحو اطراف المناطق الصحراوية، والمرتفعات الجبلية، ومن هنا بدأت إعادة البناء الاجتماعي،، ويؤكد هذا  الافتراض ـ التصور النظري الذي يمكن الرجوع إليه في مقال سابق لي على موقع" الرائد" ـ  افتقاد الانتماء القبلي على عهد النهضة في الفترة المرابطية، لذلك لجأ المجتمع التالي الى تأصيل  الفئات الاجتماعية بالمهن المطلوبة ،، فكان توصيف الافراد بناء على ما كانوا يقومون به :
كالمحترف بمهنة الحدادة، والنجار،  اسموه" امعلم"، ومعلم الدين " زاوي"، والمدافع " عربي"، والمغني " إيكيوي" ولعل الأخيرة من الاشتقاق اللفظي الافريقي،، والراعي " أزناكي"..

وإن المعلومات التي أشار اليها المؤرخ البكري، عن مجتمع مدينة " أودغست"، لتشير الى اندثار الانتماء القبلي حينئذ، نظرا لانتقال المجتمع الى مرحلة التأصيل بالأعراق، وهو ما عبر عنه المؤرخ بتقسيمه لمجتمع المدينة الى ثلاثة أعراق: "العرب، والبربر، وافراد يمتهنون الطهي من الأقلية الافريقية"..

أما على عهد حركة (المرابطون) الاصلاحية التي امتد حكمها الى أزيد من مائة سنة في المغرب والاندلس، واكثر من ذلك في بلادنا الى حين احتلها البرتغال في سنة 1416،، إذ لم يوجد  ما يشير الى التمسك  بالانتماءات القبيلية، بل من الجائز توقع أن الهوية " المرابطية"، كانت هوية سياسية، واجتماعية،، وبسقوط حكم  الأولى، سقطت الثانية ضرورة، مع استئناف البناء الاجتماعي تاليا، ولا أدل على ذلك من اختلاف الاسماء القبلية التالية مع الاسماء القبلية السابقة التي اشار إليها ابن خلدون بالاحلاف اللمتونية في القرن الثالث للهجرة،، وأن صنهاجة الجنوب ذات خلق كثير ك" ازناكة" ومسوفة،،".

ولنا ان نتوقع اندثار تلك الانتماءات العرقية، هو بنسبة اضمحلالها في الحيز الاجتماعي العام حاليا، فكم عدد الأعراق في مجتمعات اليوم التي حافظت على لغتها، وأصولها العرقية؟

ف" أزناكة" حاليا، عبارة عن أسر قليلة، تمتهن رعي الإبل،، وحجم هذا العدد، يعبر عن اندثار تلك الأعراق الاجتمعاعية،، وغياب وعيها بذاتها،، عدا الوعي السياسي الدخيل المستورد  من المغرب والجزائر الذي عبر عنه بعض كتابنا من حين لآخر، وهم قلة، ولعله مرتبطا  بمصالح الأفراد، والاحتكاك الثقافي، كما عبر عنه المرحوم " جمال ولد الحسن" بالانتماء للأمازيغية الاحيائية، وذلك  في الفترة التي كان فيها موظفا من طرف المنظمة العربية للثقافة بالمغرب،، وقد كتب عن اتجاهه الامازيغي المذكور في مقال له ـ في تسعينيات القرن الماضي ـ في مجلة " الوحدة " التي كان يصدرها معهد الانماء العربي حينئذ..

وتبقى إشكالية المناسبة" الممرقة"، وكون ما جاء في "حوصلة" الملتاعين بها، لا يفتح الشهية  رغم ما أضيف إليها من مشهيات، لأن المطلوب ليس تنقية التراث من الشوائب، بل انصاف الأحياء، لا كجزء متشيء منه ، وهي خلطة اقصائية لكليهما في القراءة لإحياء التراث المعنوي والمادي، أما اضافة البشري اليه،  فتلك طرفة مستطرفة، وإن بحجم  نافذة لإستجلاب الاكسجين منها الى " الموقع الاثري" مبنى، لا التاريخي  معنى.

 ويمكن انهاء هذه المداخلة بالسؤال الذي لم، ولن يجد إجابة،، وهو: ما هو المطلوب لإحياء قيم التراث، مع استبعاد الميت غير القابل للتحنيط  حتى،،؟
 غير أن المنتظر  حصرا من القيادة السياسية الحكيمة، والجادة في مواجهة الأزمات الاجتماعية، والتحديات المعاصرة، هو اجتراح الحلول، وتجاوز دغدغة العواطف لهذه الفئة، أو تلك،، وتجاوز التصور النظري المتعلق بقابلية البناء الاجتماعي للترميم ،،
 وليس مراجعة التراث في تقديري الشخصي، بل النظر في تظلمات فئات  المجتمع، وليس فرز الفتاوى في فروع الفقه عن الاسترقاء، كجزء من المراجعة عند الغلاة المحرضين من التبشيريين، وجمعياتهم السياسية الممولة للتفكك الاجتماعي على غير هدي،،وكأن اقصاء بعض المؤلفات التراثية، يشفي من اوجاع الواقع الاجتماعي، وما يجري فيه من اختلالات في البناء الاجتماعي المحكوم عليه بصيرورة التفكك، فالأندثار، إما عشوائيا، أو قصديا.. ولعل مصدر الإرباك القائم، هو بسبب مظاهر الانشطار للفئات الاجتماعية، والشرائح التي ستقوض البناء العام ـ وإن ببطء ـ  الذي هو تحت حماية الحكم السياسي منذ 1960م، ومن وقت لآخر تصدر القرارات والمراسيم  لتسكين مرضاه بمهدئ ، لكنه خارج الخدمة، والفعالية ـ فيما اشير اليه في مقالكم من "مراسيم " بقيت محفوظة في رفوف مكاتب القضاة ـ  والا بادر بتشكيل النظام الاجتماعي لحظتها، ولو بالترميم، ولعل من مظاهر العجز،  المحاولة الأخيرة لتركيب "الرأس الأميري" على الجسم القبلي حاليا، رغم أن الأخير مفكك الأوصال في المدن "المريفة" بقيمه، وتشظيه،، ذلك أن البناء القبلي أخرجته مطالب الفرد، والمجتمع من بيئته الريفية منذ سنة 1969م جراء الجفاف، ثم الحرب في الصحراء 1975 ، ثم دورات الجفاف المتعاقبة، علاوة على سوء التسيير السياسي الموروث من مخلفات الاحتلال الفرنسي، ثم تداعيات الاحداث الأليمة في سنة 1989م،، 
ورغم التمسك المخاتل، الانتهازي بالابقاء على الاطار القبلي في وعي النخبة السياسية للتفاعل مع أنظمة الحكم التناوبية، الا أن الوعي المذكور، افتقد لسنده في الواقع الاجتماعي، لذلك استبدل الأخير  بلا فتات إسمية ليس الا، وربما تكون النقطة الحدية في نهاية " المنحنى" الذي اشرتم اليه في مقالكم الذي تشكرون عليه من السياسيين، وكذلك من الباحث.
إشيب ولد أباتي (الصورة) 
لوكالة أخبار نواذيبو
يتم التشغيل بواسطة Blogger.