شنقيتل

شنقيتل
Sahel Dév

أيهما نحقق به الآخر: التعليم، أو الإصلاح التعليمي؟

أيهما  نحقق به  الآخر: التعليم، أو الإصلاح التعليمي؟


وكالة أخبار نواذيبو -لعل من حسن التقدير المطلوب، أن نتأمل خيرا من أصحابه، ومن النظام السياسي العام الذي أمر بذلك، وسيسجل التاريخ الوطني لقادته هذا الانجاز إن حصل،، ولذلك نقول ربما المشاورة التي جاءت  متأخرة ـ  وإن كان احسن من ألا تأتي ـ للتعبير عن  الشعور العام بأن  التعليم في بلادنا يشكل حاصل التخلف، والعجز معا، بمعنى التخلف عن الابداع، والاكتشاف العلمي، والفكري،،  والعجز عن تمثلهما، واستيعابهما،، فما هي الخطوات العملية لانتهاج سبيل التقدم  العلمي، والمعرفي، الموصل إلى تلك الاهداف، ولو بعد حين؟

وهل هذا الاعتراف العلني والصريح، هو للبحث عن الأسباب "المعنوية"  لمظاهر التخلف التربوي، والعلمي، وعلاقته السببية باستقلالنا الوطني الذي يحتاج الى مخلصين له من التبعية  للآخر،، لذلك، كان هذا التوجه نحو البحث عن شروط التقدم العلمي، والتقني، وهو توجه إن خطا خطوة أولية موفقة، فسيكون الأمر متعلقا بضرورة التخلص من لغة فرنسا، واستبدالها بلغة الوطن، وأهله، وتعليم  الناشئة  بما تفهم من لغة الأسرة، والشارع، وكذلك وسائل الاعلام الوطني، لذلك يجب التخلص من اللغة التي هي أداة للتعليم التي يحتاج التلميذ الى تعلمها من اجل ان تكون وسيطا للتعليم، وهو ما يستنكره المربون في جميع حقول التربية والتعليم في المجتمعات المعاصرة ،، فهل يسترشد بذلك المتحاورون في بلادنا؟

 وهل لجنة التشاور تعبر عن الخطوة الأولى لفهم  طرفي  المعادلة المتلازمين للعلم، والحكم الرشيد، في التقدم الثقافي، والتغيير السياسي،، وبالتالي تكون لجان المشاورة، بمثابة "المعادل الموضوعي" الذي يزاوج بين الذاتي ـ الوعي الوطني ـ، والموضوعي ـ التوجهات السياسية، إن كانت قادرة على الاستجابة لمطالب الوطن، أكثر من الإذعان لإملاءات السفارة الفرنسية في نواكشوط؟

لعله التبصر الصحيح لفهم ابعاد "المدنية" المعاصرة، المتعلق بتعليم عالم الاشياء الذي تقود إليه الثقافة في عالم الافكار، وذلك سبيلا  للانتفاع بمنجزات الحضارة في بعديها المادي، والثقافي معا،، فهل استوعب المتشاورون الفكرة؟

لعلنا من المتفائلين بهذا الإحساس بالمسؤولية، والسعي المشكور، ونتمنى على أصحابه  تحديد  جوائح التعليم في بلادنا، وأن يكون بعد الفحص اللازم، تقديم الحلول المنتجة، والمخلصة من الأوجاع في التعليم،، ولذلك سنشارك بالتشخيص الذي  حدده علماء التربية في أربعة أقانيم، فما هي؟

وفي سبيل النهضة العلمية في أي بلد، يسعى لطرق ابواب العصر، فلا بد من اشراك، بل اسناد التعليم الى كل من : ( الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة التعليمية، والمعلم)، وذلك لتطوير الخطط البحثية، وتغيير المناهج التربوية، والعناية باللميذ، وترتيب الأولويات، وتطوير اساليب التعليم من التلقين، والحفظ  الى الفهم، والوعي، والاستيعاب، والبحث الميداني التطبيقي، والتجريبي، إن بالتمارين اليومية، أو في المختبرات المعملية،،

فما قيمة ، أن يتم التشاور بين افراد لجان التشاور، دون إشراك المعلمين، ومدراء المدارس، و أولياء الأمور؟

فإذا اهمل طرف من اطراف العملية التعليمية، فإن  دوره سيبقى ناقصا  في المشاركة في الأداء، وهذا سينعكس على نتائج العملية التعليمية كلها، لأن " التلميذ" اذا لم يجد بيئة تربوية تساعده في مراجعة دروسه، فإن لجنة التشاور، ستعود ب"خفي حنين" من رحلتها التي تقوم  بها الآن في ربوع الوطن، وقد خصصت وزارة التعليم لها ميزانية معتبرة، وتستحق اكثر من ذلك بشرط أن تثمر رحلتها باصلاح تربوي، يرجع للتعليم العام قيمته التربوية، والتعليمية..

ثم هل توافق لجنة التعليم بإشراك المعلمين في هذا التشاور الذي يسعى الى تشخيص العوائق التي تعترض سبيل المدرسة، والمعلم في تنقيح، و تقديم المنهج الدراسي،، وهو الأمر الذي يستوجب الاهتمام بالمعلم نفسه، وتقديم المحفزات المعنوية والمادية التي تجعله عنصرا فاعلا، حتى ينظر إلى التعليم من جهة الواجب الوطني، والضمير الاخلاقي، والديني، والأبوة لتلاميذته، ليجسد تفاعله معهم  عظيم المعاني كالصبر، والعدل، والتواضع، والقدرة في الأداء، واتقان التخصص ،، أو أن المعلم سيستثنى، ويهمل دوره في التشاور، كما يهمل من حيث الاعتناء به، وينحصر دافعه في الراتب الوظيفي، المفتقر الى شحنة القيم الاعتبارية، والمهنية السابقة؟

ومن اجل أن يكون للتشاور معنى،  وأي معنى هو الآخر؟، لذلك من الواجب أن يكون الاهتمام المعطى للمدرسة بنسبة مرتفعة، وإلا، كيف للتعليم أن يصلح، وهو يفتقر الى مؤسسات، لتكون بيئة صحية للتلاميذ، ومجهزة بالاجهزة العلمية الحديثة التي تعتبر أساسية في تقديم الدروس ، وتقديم الصور، والخرائط، والمكتشفات الحديثة في كل تخصص، وهذا يساعد على استيعاب الدروس من خلال اشراك مختلف  الحواس من سمع، وبصر، وذلك في سبيل التفاعل مع المدرس، وفهم أكثر للدروس،،؟

لكن أنى ذلك من  اعتماد بيوت القصب كمدرسة، لما يعبر عن الاهمال، واللامسؤولية من وزارة التعليم، ومن الدولة، ومن غياب الوعي لدى الآباء الذين يقبلون من نظامهم العام، أن يسمح بتدريس ابنائهم في بيوت من القصب،  والمعرضة للأشتعال، وبدلا من الاحتجاج على الدولة، يكون شرطهم الوحيد أن يكون المعلم، غير مدخن ـ كما شاهدنا في الصورة ل"مدرسة "  عبارة عن كوخ كبير من القصب في وسائل التواصل  الاجتماعي ـ؟!

أوليس للدولة الموريتانية تلك النظرة العامة، كما للانظمة السياسية المعاصرة، والمتمثلة في النظر إلى التعليم على أساس: التنمية، والتقدم، وضمان الحياة الكريمة للمواطن، وإعادة تأهيله، مما يستوجب إصلاح المناهج الدراسية، ومواكبة التطورالعلمي؟

 وبالحديث عن الاصلاح التعليمي الذي اعتمد منذ حين في المجتمعات المعاصرة، كأداة اجرائية، لم تتوقف مراكبه ، وذلك للانتقال بالتعليم، وبالنظم، و بالإنسان في الحواضن الاجتماعية ،، من التخلف الى التقدم،، لكن كيف كانت رحلة الإصلاح التعليمي في بدايتها في القرنين التاسع عشر، والعشرين الماضيين؟


إن تاريخ نشأة التعليم النظامي في بلادنا منذ ثلاثينيات القرن الماضي على عهد الاحتلال المباشر الذي عرفته بلادنا، كما الجزائر، والدول الافريقية المجاورة، ولعله يمثل فترة طويلة لم يتحقق بالتعليم ما ينبغي، ذلك أن النتائج المرغوبة على مستوى التعليم، كانت هزيلة، إذ لم تحقق في البلاد نهضة فكرة في أي مجال، ومن هنا ارتفعت الاصوات الوطنية الى ضرورة  الاصلاح التعليمي في العام 1978م.، ومعلوم أن الاصلاح التعليمي، هو المدخل للحداثة في المجتمعات العربية، والافريقية  التي طرقت ابواب العصرنة، إما بالثورات السياسية، وإما بالاصلاح التعليمي، وإذا اقصينا الأخير، فسيبقى التعليم فاقدا وظيفته في الحياة الاجتماعية، لعجزه عن إعادة تأهيل الانسان الموريتاني، وتأثيره المباشر على الهوية الوطنية، والقومية.

ومن هنا يتضح للجميع، أن الأمر يتعلق  بما هو اشمل من الرؤية الضيقة تجاه  نظام التعليم، رغم أهميته، ونظامه الاصلاحي المتطور باستمرار، وحاجة المجتمع الى الخروج  من آخر حقبة من حقب  الركود الثقافي، الى التنمية العلمية، ومستنداتها في الواقع الموريتاني، وذلك لتغيير رؤيتنا تجاه انفسنا قبل تغييررؤى الآخرين تجاهنا،، فالحاجة الى تطوير النظام التعليمي مرتبطة بتغيير السلوك لدى الفرد، وحياة الاسرة، ونظام المعيشة العام، والخاص؟

 ومن أجل ذات الأهداف، فعلينا أن نكون رؤية عامة تستند الى ما توصل اليه فلاسفة  التربية، وعلم الاجتماع، وطواقم التربة، وذلك للتمكن من اكتشاف الذاتي الوطنية، وتوظيف قدراتنا على تجاوز الوعي ب"المشكل" الحاصل الآن، وتجاوزه الى البحث عن الحلول بالنظر إلى الاصلاح التربوي الذي يقود التنمية العلمية المستدامة..

لقد فكرت في تقديم  معلومات عن تاريخ الإصلاح التعليمي خلال القرنين الماضيين،، ولكن هل يسمح المقام بالحديث عن الاصلاحات التعليمية لدى المجتمعات المعاصرة جملة، أو تفصيلا؟

لا، طبعا.

 لذلك أرى أنه لا قيمة لتذكير القراء بأن فرنسا، حين بدأت تفكر فى الاصلاح التعليمي، طرح التربويون، السؤال حول إمكان تعويض الزعيم السياسي بسهولة، خلافا  للمهندس الذي يحتاج  تكوينه الى تخصص دقيق خلال  تعليمه الذي يمر بمراحل طويلة،، ومن هنا كان الاتجاه نحو التخصص العلمي، والمهني أكثر من غيرهما،،

وعندما أراد النظام " السوفييتي" السابق، الاصلاح التعليمي، فلجأ الى الفيلسوف وهو العالم التربوي الامريكي" جون ديوي" الذي رفض النظام التعليمي الامريكي فلسفته العملية التي أسماها " الوسيلة" في فهمه للجانب الوظيفي للعقل، وللفكر معا، وذلك  لحل المشاكل التي تواجه الفرد، والمجتمع، كما تواجه النظام السياسي معظم العقبات  لتحقيق الديمقراطية السليمة،،،

وتلك الرؤية الفلسفية، كانت نتائجها العملية هائلة في تطبيق الاصلاح التعليمي، ومن  نتائج الأخير، ذلك التقدم العلمي الذي مكن الاتحاد السوفييتي من غزو الفضاء قبل أمريكا في ستينيات القرن الماضي،،

ونحن الآن في الالفية الثالثة، لانجد قيمة تذكر لتتبع الاصلاح التعليمي في كل دولة، لأنه متطور في كل فترة بعد اخرى،، ولكن المشتركات التي اجمع عليها التربويين أهمها:

أ ـ اعتماد اللغة الأم في التعليم، كوسيلة للتدريس بها في جميع مراحل التعليم، ولمختلف المواد التربوية، والتخصصات الادبية، والعلمية، وليس معنى ذلك عدم تعلم اللغات الأخرى كمواد، ولتكن اللغة الفرنسية واحدة منها، والانجليزية على أن يكون ذلك ابتداء من المرحلة الثانوية، وليس قبلها..

ب ـ الزامية التعليم في المرحلتين: الابتدائية، والاعدادية.

ج ـ تعليم الكبار لمختلف الجنسين،،وفتح مجالات مهنية عديدة، كالخياطة، والنجارة،والحدادة، والدهانة، والطبخ، وغيرها من المهن اليدوية التي لا غنى عنها،،

د ـ اعتماد مبدأ التحفيز بالمنح الدراسية الرمزية في شكل راتب لكل من يدرس، ويحتاج خلال فترة الدراسة الى الاعانة  المادية،،،

ه ـ فتح مراكز للتدريب، وخلال فترته، يحفز المتدرب بمنحة حتى يجد عملا فيها، وذلك للحد من البطالة، وهي السياسة التي اعتمدتها الدول الاسكندنافية لتجاوز الأزمات الاقتصادية، وتداعياتها على حياة الفرد، والاسرة..

 

إن فتح أبواب التعليم للجميع كبارا وصغارا، يفرض على المجتمع، الاستناد الى اللغات الوطنية جميعا، وأولها اللغة العربية.

ولا يفوتنا الاشارة الى أن محاربة الاصلاح التعليمي من طرف  الامبريالية الفرنسية  في أقطار المغرب العربي، من الحقائق  الواضحة للكل، وليست خاصة بموريتانيا فحسب،  ولعل التدخل المباشر، والضغوطات الهائلة التي تمارسها فرنسا على النظام السياسي، سواء أكان المغربي، أم الجزائري، والتونسي، أم الموريتاني ، لدليل قاطع على وحدة العدو، ومحاربته للمستقبل المشترك لمجتمعات الأمة العربية، ومن هنا كان إدرك الجميع أن التقدم العلمي، هو المقدمة الأولى للتحرر السياسي، والتغيير الاجتماعي الذي يستند الى منظومة من الاجراءات التي تحرر الاوطان من الهيمنة الخارجية، وأول هذه المنظومات الاصلاح التعليمي، ونبذ اللغة الفرنسية في التعليم، وفي الادارة، وفي الاعلام المرئي والمسموع، لأنها تشكل وعيا استلابيا، وسلوكا متماهيا مع خصائص الهوية الثقافية للآخر،،في مقابل اقصاء الذات الوطنية، وثقافتها  وقيمها الدينية، والقومية التي تجد مفتاحها في اللغة العربية،،

 ونحن متفائلون بهذا الوعي المنامي ب"المشكل" الحاصل في التعليم بعد إفساده  خلال عشرين سنة منذ (1999م.) جراء التدخل السافر لفرنسا في فترة الانظمة التابعة،،

والجدير بالتنبيه اليه، هو أن الاستجابة لمطالب المجتمع في الإصلاح التربوي، تعتبرالمعيار للحكم على وطنية النظام السياسي الحالي، وتحرره من التبعية السياسية، والثقافية  للمحتل الفرنسي الذي لا يملك وعيا تاريخيا بأن وجوده الاحتلالي، يشكل وصمة في حاضرنا، وتحديا للمتغيرات الوطنية  التي تفرض التحرر من كل القيم التي ترمز للوجود الفرنسي، و مخلفاته السابقة، وتاريخه الاستعماري المدان...
إشيب ولد أباتي
يتم التشغيل بواسطة Blogger.